الحلبي
94
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الشِّعْرَ [ يس : الآية 69 ] . ولما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قول سحيم : الحمد للّه حمدا لا انقطاع له * فليس إحسانه عنا بمقطوع قال أحسن وصدق ، وقول الصديق أشهد أنك رسول اللّه وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ يس : الآية 69 ] يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يجري الشعر على لسانه موزونا وقد قيل له صلى اللّه عليه وسلم : من أشعر الناس ؟ قال : الذي يقول : ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها وإن لم تطيب طيبا الأصل وجدت بها طيبا وإن لم تطيب . وكان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يقول له : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ما أنت بشاعر ولا رواية ، والمراد بكون الشعر أبغض إليه الإتيان به ، وإلا فقد كان يسمع الشعر كما تقدم ويستنشده ، فقد ذكر بعضهم « أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يستنشد الخنساء أخت صخر لأمه ، ويعجبه شعرها ، فكانت تنشده وهو يقول : هيه يا خناس ، ويومىء بيده » . وقد قال بعضهم : أجمع أهل العلم أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها ، ومن شعرها في أخيها المذكور : أعينيّ جودا ولا تجمدا * ألا تبكيان لصخر الندا طويل النجاد عظيم الرماد * وساد عشيرته أمردا وللجلال السيوطي كتابه سماه « نزهة الجلساء في أشعار الخنساء » وقولنا في قول عائشة إنه كان يتمثل بالشعر ، ويجعل أوله آخره : أي غالبا حتى لا ينافي ما جاء عنها : كان يتمثل بشعر ابن رواحة : ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقولها : ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينشد شعرا إلا بيتا واحدا : تفاءل لما تهوى بكن فلقلما * يقال لشيء كان إلا تخلفا وفي الخصائص الكبرى قال المزني : ولم يبلغني أنه صلى اللّه عليه وسلم أنشد بيتا تاما على رويه ، بل إما الصدر كقول لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل أو العجز كقول طرفة : ويأتيك بالأخبار من لم تزود أي وفيه ما تقدم عن عائشة ، وكقوله - وقد أنشده أعشى بني مازن أبياتا في ذم النساء ، آخر تلك الأبيات :